نصف ميت
رواية نصف ميت دفن حيا الفصل الاول
الفصل الأول
البداية
ه أغسطس ٢٠٠٦ الساعة التاسعة
هذا السائق يعرف طرقا غربية بحق، فهو يقود الحافلة متجها إلى الإسكندرية ولكنه يسلك طرقا عجيبة ويقف عند محلات مأكولات كثيرة، ويعلن للركاب أنهم يمكنهم النزول لعشر دقائق لشراء ما يحتاجونه، يعرف الركاب بالطبع أنه يتفق مع تلك المحلات مسبقا كي باني بالركاب إليها، ولكن ما باليد حيل
عليهم أن يتحملوا بصبر يصلوا إلى الإسكندرية سلام، مرا ساختان منذ تحركهم من موقف السيارات في القاهرة وقد ساعد الظلام داخل الحافلة على التشار النوم بين الركاب، حتى إن الجميع لم يعترضوا على وقوف السائق أكثر من مرة على جانب الطريق ليدخن سيجارة ثم يعود ليكمل مرة أخرى السير..
تام داخل السيارة إلا من بعض الأشخاص الذين يسقطون بين الحين والآخر ينظرون حوهم بنصف عين ثم يغيرون أوضاعهم ليكملوا النوم مرة أخرى، خد عندك مثلا هذا الشاب الذي يجلس لجانب إحدى النوافذ وهو يرتكن براسه للوراء ويتم ناظرا إلى سقف، يبدو أنه يسرح في عالم من الخيالات السعيدة.
وخاصة وهو يقرب علية صغيرة يقبض عليها بين يديه إليه ثم يفتحها لنظهر داخلها دبلة ذهبية صغيرة بجانب دبلة أخرى من الفضة وعلى الدبلتين نقشت حروف بارزة.. نظر الشاب حوله ليتأكد من أن أحدهم لا يراقبه ثم قرب الدبلة الذهبية من شفتيه وقبلها وهو بغمض عينيه متخيلا حبيبته، أعادها مرة أخرى ليده ليطبق عليها وينظر لسقف السيارة ويعيش في تخيلاته مرة أخرى.
عندما كنت صغيرا شاهدت أحد الأفلام القديمة وفي بداية الفيلم تظهر لقطة على الشارع والكثير من الناس يسيرون، ثم يقول الراوي إن لكل واحد من هؤلاء حكاية مختلفة، ويمكن للمشاهدين اخبار أحدهم كي يبدأ الراوي في سرد حكايته، وأنا أقول إن لكل شخص في تلك الحافلة حكاية وطموحات وأحلام وأفكار، والجميع اجتمع في تلك الحافلة متجهين إلى مكان واحد.
من المفترض أن يكون هذا المكان هو الإسكندرية، لكن من صدف القدر أنه في بعض الأحيان هو الذي يختار المحطة التي نتجه إليها، هو الذي يحدد وجهتا، إنه القدر، هذا الشاب الذي يمسك بالعلبة الصغيرة وينظر حالما لسقف السيارة وبجانبه هذا الشاب الذي يغمض عينيه، ولكنه يفكر بعمق وهو يقطب حاجبيه ويتذكر ذكريات يبدو أنها ليست مبهجة؛ لأن يديه تقبض بقوة على مسند مقعده، هل عينيه تخرج منها ما يشبه الدموع أم أنه خداع بصري؟ هناك ما يشبه الرغرغة في عينيه ولكنه يحبسها بقوة..
ربما كان هذا السائق له قصة ما هو الآخر ولكننا لا تعلمها، إنه عم (محمد) الرجل الطيب الهادئ الذي لا يضع بالا لشيء ما في حياته،
يصلي الفروض في أوقاتها ويتطوع لصوم أيام كثيرة من كل شهر، رزقه الله بابنته الوحيدة (سمية) نور عينيه والتي يحبها أكثر من نفسه، يوفر لها كل ما تحتاجه كي تظهر بمظهر لائق أمام زميلاتها في الجامعة.
وهي ليست تلك الفتاة التي تظهر في الأفلام القديمة والتي تخجل من مهنة والدها .. بل تفتخر به أمام كل من تعرفهم، وتفتخر بكفاحه في سبيل تربيتها، وهي أيضا لم تبخل على والدها وجعلته يفتخر بدخولها كلية الطب كما حلم هو لها.
فأصبح يناديه زملائه (أبو الدكتورة) وهو يبتسم لهم وتكاد الدموع للفجر من عينيه من الفرحة في كل مرة يسمع فيها ذلك اللقب، من الصعب وصف تلك العلاقة بينه وبين ابنته، والتي تكونت منذ أول لحظة ميلاد لها عندما أقسم داخله أن يلي كل طلباتها حتى ولو مات في سبيل ذلك، ربما لذلك يقل عم (محمد) بعض التداولات، رعا يقبل بأن يقوم باستخدام بعض حافلات الشركة بعد أوقات عملها الرسمية في تشغيلها في خطوط القاهرة بدون علم الإدارة .. يحدث هذا مرة كل أسبوع على الأكثر ويساعده في ذلك بعض زملائه، لأنه يساعدهم هو الآخر في إخراج بعض الحافلات لخطوط أخرى..
مصاعب الحياة هي ما تجعله يفعل هذا، من داخله أصبح لا هوف هل ما يفعله حرام أم حلال.. لكن الراتب لا يكفي منذ القدم، ورسمية) كبرت ونحتاج لملابس كثيرة ومصروف يومي يليق بسنها،
وطعام .. وكل ملذات الحياة التي يجب توفيرها، ما يفعله خطر عليه، ولو حدث وكشف أمره ستكون نهايته، ولكنه يخاطر بكل هذا في سبيل الابتسامة التي يراها على شفتي (سمية) وهو يعطيها ما تريد ويربت على كتفها بحنان، كل هذا يهون في سبيل أن يراها تقفز من على الأرض ثم تقبله وهي فرحة بتلبية أحد مطالبها ..
يتمنى من الله أن يسامحه على ما يفعله، ويقول إنه لا يضر الشركة في شيء، في تلك المرة التي يستخدم فيها الحافلة في غير أوقات عملها الرسمية، حتى آخر مرة والتي استخدم فيها هذا الحافلة بالذات أمس في داخل القاهرة، واكتشف وجود مشكلة في المكابح في آخر اليوم قرر أن يصلحها بنفسه، ولكنه لم يستطع بسبب دخولها الخدمة اليوم.
ولكنه ينوي أن يصلحها بمجرد أن يعود للقاهرة مرة أخرى، ولا مشكلة تخيفه، فهو يمتلك الخبرة التي تجعله يقود هذا الحافلة بحالة مكابحها تلك، ولن يعلم أحد بذلك ولا خوف عليه. الليل شديد السواد، ولكن لا مشكلة. صحيح أن
أنه لا يعرف لماذا يفكر في ابنته (سمية) بتلك الطريقة صحح الغريبة، وكأنه يخاف عليها، ويشعر بأنه يحتاج لرؤيتها حالا، ولكن لا مشكلة، لا مشكلة، فالحياة تسير بهدوء، وها هو ما عليه سوى أن يعبر شريط القطار هذا ويسير قليلا ليتوقف عند مقهى الفيومي الذي يأخذ منه إكرامية على كل مرة يقف فيها عنده، إنه يقترب من الشريط ولكن هل يرى جيدا أم أنه يتخيل؟ الشريط مغلق، إذن هناك قطار سيمر الآن .
بالفعل هذا هو صوت عجلات القطار، لا مشكلة سيتوقف بالقرب من الشريط حتى يمر القطار ثم يمر هو عندما يزيل العامل تلك السلسلة الرفيعة التي تمنع المارة، ها هو يقترب والقطار يقترب أيضا يا للدقة، رفع قدمه قليلا من على دواسة الوقود وهو يضغط على دواسة المكابح.. ماذا يحدث؟
حاول مرة أخرى، ولكن الحافلة تسير بنفس سرعتها السابقة أو بسرعة أقل قليلا من جراء التقليل من ضغط دواسة الوقود، شعر بالارتباك بالفعل عندما تخيل ما سيحدث، بقيت أمتار على شريط القطار والمكابح لا تعمل بحق، ماذا حدث لها لقد كانت تستجيب ولكن ببطء، أما الآن فهي لا تستجيب أصلا!!!!
القطار يقترب، وصوته يعلو، والحافلة تقترب أكثر، رفع قدمه من على دواسة الوقود، ولكن الحافلة تقترب أكثر، ماذا يفعل؟ ماذا يفعل؟
لو حاول الانحراف الآن من المحتمل أن تنقلب الحافلة وهو بهذه السرعة.. هناك احتمال أن تستطيع الحافلة عبور الشريط قبل أن يصطدم القطار ها.. أغمض عينيه وهو يتذكر كمية الاحمالات التي كان يمكنه أن يفعلها ولكنه نسبها الآن، لم ير شيئا سوى صورة ابنته وهي تحتضنه وتقبله.
الحافلة تقطع السلسلة وتعبر الشريط، ولكن القطار يصطدم بها فتنقلب الحافلة، ثم يدفعها القطار للأمام، ركاب الحافلة لم يطلقوا
صرخات، فقد كانوا يعطون في النوم، فتم كل شيء بسرعة وقبل أن يشعر أحدهم بأي شيء، إله القدر بالفعل.
نفس الليلة
ليلة حارة.. وربما لم يفكر رجال الشرطة كثيرا هل شدة الحرارة كانت من حرارة الجو أم تلك الحرارة المتصاعدة من الدخان الذي يخرج من منطقة الحادثة، رجال الإطفاء يغادرون المكان بحذر بعد أن انتهوا من عملهم وحمدت النيران العنيفة التي اشتعلت جراء انفجار تم بالحافلة بعد اصطدام القطار بها، الانفجار لم يعلم أحد سبيه، ولكنه سبب الكثير من الفوضى، وخاصة بعد أن القلب جزء من القطار بعد خروجه عن القضبان، واشتعلت النار بعد انفجار الحافلة..
من القطار مات عشرة أشخاص، ومن الحافلة الثان وثلاثون شخصا، والباقون على قيد الحياة، بالرغم من تجمع الأهالي حول مكان الحادثة، إلا أنهم لم يقتربوا من منطقة الاصطدام التي توقف عندها القطار بعد خروجه عن القضبان، وإن كان السبب الحقيقي وراء عدم اقتراهم ليس احترام النظام، وإنما ذلك المشهد الذي يثير الغثيان، فالحافلة مفتوحة من الوسط، وأجساد متفحمة تخرج منها وكأنها كانت تحاول الهرب، وأجساد أخرى ملتصقة ببعضها، وأعضاء بشرية ملقاة على الأرض، حتى إن رجال الإسعاف كانوا يتحركون بطء شديد؛ لصعوبة التفرقة بين الأحياء والأموات ..
مشهد مقزز ويصعب وصفه وبعث على القشعريرة أكثر منه بعث على الحزن، بصفة عامة كان جو من الإحباط يسيطر على الجميع ويجعلهم يتصرفون بحزن شديد.. قرب الحادث بأمتار، وسط الواقفين، ووسط أصوات الاستنكار من الناس، وكلمات الحسرة والدعاء للمتوفين، قال أحدهم لصاحبه وهو يشير أمامه إلى جنة يبدو أن صاحبها قد خرج من الحافلة بعد الحادثة لحظة . ما هذا عندما نظر صديقه للجنة لم يفهم لماذا يشير لها، ولكن لاحظ أن رأس الجثة مشوه ومكسور العظم، وقد ضاعت ملامحه وملامح جسده الباقية بسبب الحروق الشديدة، اليد اليسرى للجثة متأكلة، كما أن الجسد نفسه متهتك و.... اتسعت عينا الرجل وهو ينظر ثم بداري عينيه ييديه من الغثيان، آخر تفاصيل طالعتها عينيه أن الجثة تقبض بيدها اليمنى المفرودة على شيء ما، ولكن المفزع أن الجثة كانت بدون نصفها الأسفل!!
أي إن صاحب الجثة خرج من السيارة وهو لا يرى ولا يسمع، وبدون نصفه الأسفل، ويده اليسرى مشوهة، وظل يزحف بيده الوحيدة التي تقبض على شيء ما حتى مات في موضعه هذا، لقد تعذب كثيرا قبل موته..
فتحت (دينا) الزوجة المخلصة عينيها ببطء وهي تنظر حولها، حتى وقعت عينيها على وجه زوجها النائم، ابتسمت وهي تعيد خصلات شعرها المتناثرة للوراء لتتمكن من تأمل ملامح زوجها قليلا.. يا له من وسيم، وسامة تحتلها لمحة من الحزن، ما زالت تلك المشكلة تسيطر عليه في الأيام الأخيرة، وخاصة بعد ليلة
أمس التي تحدث فيها مع شقيقها، فجأة تذكرت وهي تنظر بجانبها للمنبة الموضوع بجانب الدمية التي أهداها لها زوجها، الساعة تقترب من التاسعة، يجب أن يستيقظ زوجها ليجدها في أحسن حال، نهضت بخفة واتجهت للحمام لتغسل وجهها وأسنانها وتمشط شعرها، وتخرج لتبدل ملابسها، ثم تجري باتجاه المطبخ لتعد الإقطار الذي يحبه ككل يوم، مرت دقائق وهي تعد الافطار حتى سمعت صوت المنبة ينطلق من داخل غرفة النوم.. مرة والثانية ولم تسمع صوت حبيبها ينادي عليها كما تعود عندما يستيقظ من نومه؟ تركت ما في يدها وهي تتجه ناحية غرفة النوم وهي تغني بصوتها العذب لزوجها، دخلت الغرفة وهو ما زال قائما على فراشه، جلست بجانبه وهي تكمل الغناء وتتناول بده بين يديها لتوفظه بلطف، بده متصلبة وباردة؟ قلبته على ظهره فانقلب بسهولة ولكن بجسد متصلب، توقفت عن الغناء وهي تشهق ثم تنادي باسمه بلا وعي، شهقت مرة أخرى ونظرت للسقف وهي تصرخ باسمه.
(نهاية الفصل الاول )

تعليقات
إرسال تعليق